·
مقدمة
عرفت البشرية الجريمة منذ أقدم عصورها
وتحولت الجريمة إلى ظاهرة اجتماعية شاذة في حياة التجمعات البشرية منذ القدم،
وأصبحت الجريمة تمثل مشكلة على مر الأزمنة وباختلاف المجتمعات الإنسانية. وظهرت
العديد من الآراء في محاولة لتفسير هذه الظاهرة لبحث دوافعها ولمحاولة السيطرة
عليها.
• واتخذت هذه الآراء
في البداية طابعاً غير علمي في تفسير الظاهرة الإجرامية؛ حيث كان الفلاسفة يرجعون
ارتكاب الجريمة إلى أن الأرواح الشريرة تتقمص جسد المجرم وتدفعه لإغضاب الآلهة
وارتكاب جريمته، أو يرجعونها إلى لعنة الآلهة وغضبها التي تنزل بالمجرم فتؤدي به
إلى ارتكاب الجريمة، ولذلك كانوا يرون أن الوسيلة الوحيدة لمعالجة المجرم هي في
تعذيبه حتى يتم طرد هذه الأرواح الشريرة من جسده أو يتم إرضاء الآلهة.
• ويمكن القول بأن
دراسة الأسباب المؤدية إلى ارتكاب الجريمة لم تأخذ الطابع العلمي إلا في بدايات
القرن التاسع عشر بفضل جهود المدرسة الفرنسية – البلجيكية التي تزعمها العالمان
الفرنسي “جيري” والبلجيكي “كيتيليه”؛ حيث اصدر جيري مؤلفين، الأول في عام 1833 حلل
فيه إحصاءات الجرائم في فرنسا ومركزاً فيه على أهمية العوامل الفردية كالجنس والسن
والعوامل الاجتماعية كالحالة الثقافية والاقتصادية والأحوال المناخية، والثاني
أصدره في عام 1864 تعرض فيه للعلاقة بين الفقر والجهل من ناحية والإجرام من ناحية
أخرى. أما العالم البلجيكي كيتيليه فقد أصدر مؤلفه في عام 1935 حول الطبيعة
الاجتماعية وترجيح دور العوامل الاجتماعية في ارتكاب الجريمة وذلك من خلال دراسة
الإحصاءات حول ظاهرة الإجرام في عدة مناطق.
ولا شك أن تقدم الأبحاث الخاصة بعلم الإجرام
كان مرتبطاً بتقدم العديد من العلوم الأخر التي تمد الدراسات في علم الإجرام
بالعديد من البحوث والمادة العلمية اللازمة لمعرفة شخصية المجرم وتكوينه وتأثره
بالبيئة المحيطة به، ومن هذه العلوم علم الطب وعلم النفس وعلم الاجتماع، وكان
نتيجة تقدم هذه العلوم أن تقدمت البحوث الإجرامية ونشأت علوم متفرعة عن علم
الإجرام مثل علم البيولوجيا الجنائية، ثم علم النفس الجنائي وعلم الاجتماع
الجنائي.
كل هذه الآراء
والتفريعات, ما كانت إلا لتعطي علاقات مترابطة ومتكاملة بين علم الاجرام والعلوم
الجنائية الاخرى, ومنه, يجعلنا هذا الموضوع من طرح إشكالية, ما العلاقة التي تربط
بين علم الاجرام والعلوم الجنائية الاخرى, وهذا ما سنقوم بالاجابة عنه في بحثنا
هذا, وذلك من خلال تقسيم يحتوي على :
·
مقدمة
Ø
المبحث
الأول
: علم الإجرام
- مفهومه وأهميته
o
المطلب الأول : تعريف علم الإجرام
o المطلب الثاني : أهمية علم
الإجرام
Ø المبحث الثاني : علاقة علم
الأجرام بالعلوم الجنائية الأخرى
o المطلب الأول :
علم العقاب والانثروبولوجيا
الجنائية
o المطلب الثاني :
السياسة والاجراءات الجنائية
·
خاتمة
Ø
المبحث الأول : علم الإجرام - مفهومه
وأهميته
o
المطلب الأول : تعريف علم الإجرام
أثار وضع تعريف دقيق لعلم الإجرام صعوبات
كبيرة نظراً لحداثة هذا العلم، واتسمت التعريفات المتعددة التي حاول البعض وضعها
لهذا العلم بالعمومية وعدم التحديد.
فقيل بأن علم الإجرام هو علم الجريمة أو علم
ظاهرة الإجرام أو هو علم العلم الذي يهتم بدراسة الظاهرة الإجرامية أو هو العلم
الذي يدرس أسباب الجريمة، سواء تعلقت هذه الأسباب بشخص المجرم أم بالبيئة المحيطة
به.• وقد وسع البعض من مفهوم علم الإجرام، خاصة
في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث اعتبر العالم الأمريكي سذرلاند أن علم الإجرام
لا يشمل فقط دراسة أسباب الجريمة وإنما أيضاً علم العقاب وعلم الاجتماع القانوني
باعتبار أن الجريمة تشكل الجانب الاجتماعي لقانون العقوبات.
ويلاحظ على هذه التعريفات كما سبق أن ذكرنا
أنها تتسم بالعمومية وعدم التحديد أو أنها تنطوي على توسيع واضح لمضمون علم
الإجرام وتخلط بينه وبين علوم أخرى. ولذلك فإن الفقه السائد استقر على تعريف علم
الإجرام بأنه “هو ذلك الفرع من العلوم الجنائية الذي يدرس الجريمة كظاهرة فردية
واجتماعية دراسة علمية لمعرفة العوامل المؤدية إليها بغية مكافحتها والحد من
تأثيرها”.
وهذا العلم يحتوي على علوم فرعية أخرى تتخصص
في البحث عن أسباب الجريمة، كما يستعين ببعض العلوم الحديثة مثل علم الطب وعلم
النفس وعلم الاجتماع كما سبق الإشارة لذلك.
o المطلب الثاني : أهمية دراسة علم الإجرام
أ- من الناحية التشريعية
• تفيد أبحاث علم الإجرام المشرع فيما يتعلق بالتدخل عن طريق التشريع للمساهمة في مكافحة الظاهرة الإجرامية، ويتم ذلك من خلال ما تقدمه أبحاث علم الإجرام من دراسات حول تصنيف المجرمين إلى طوائف متباينة من خلال دراسة متكاملة لشخصية المجرم تحدد العقوبة المناسبة له والأسلوب الملائم له من ناحية المعاملة العقابية.
ب- من الناحية القضائية
• تفيد الدراسات التي تتم في نطاق علم الإجرام القاضي الجنائي في اختيار العقوبة أو التدبير الملائم لكل متهم وذلك في ضوء استعماله لسلطته التقديرية التي منحها له المشرع. وحتى يتم ذلك بطريقة سليمـة يتعين أن يقدم للقاضي ما يمكنه من التعرف على شخصية المتهم الإجرامية للوقوف على مدى خطورته الإجرامية على المجتمع.
جــ- من ناحية التنفيذ العقابي
• تتيح الدراسات الحديثة في علم الإجرام للسلطات القائمة على تنفيذ العقوبة اختيار أنسب وسائل المعاملة العقابية للمحكوم عليه، ويتم ذلك من خلال تصنيف المجرمين من حيث السن والجنس والخطورة الإجرامية ومن حيث اختيار نوع العمل داخل المؤسسة العقابية الذي يحقق تأهيل المحكوم عليه حتى يخرج مواطناً قادراً على التكيف مع المجتمع مرة أخرى.
• تفيد أبحاث علم الإجرام المشرع فيما يتعلق بالتدخل عن طريق التشريع للمساهمة في مكافحة الظاهرة الإجرامية، ويتم ذلك من خلال ما تقدمه أبحاث علم الإجرام من دراسات حول تصنيف المجرمين إلى طوائف متباينة من خلال دراسة متكاملة لشخصية المجرم تحدد العقوبة المناسبة له والأسلوب الملائم له من ناحية المعاملة العقابية.
ب- من الناحية القضائية
• تفيد الدراسات التي تتم في نطاق علم الإجرام القاضي الجنائي في اختيار العقوبة أو التدبير الملائم لكل متهم وذلك في ضوء استعماله لسلطته التقديرية التي منحها له المشرع. وحتى يتم ذلك بطريقة سليمـة يتعين أن يقدم للقاضي ما يمكنه من التعرف على شخصية المتهم الإجرامية للوقوف على مدى خطورته الإجرامية على المجتمع.
جــ- من ناحية التنفيذ العقابي
• تتيح الدراسات الحديثة في علم الإجرام للسلطات القائمة على تنفيذ العقوبة اختيار أنسب وسائل المعاملة العقابية للمحكوم عليه، ويتم ذلك من خلال تصنيف المجرمين من حيث السن والجنس والخطورة الإجرامية ومن حيث اختيار نوع العمل داخل المؤسسة العقابية الذي يحقق تأهيل المحكوم عليه حتى يخرج مواطناً قادراً على التكيف مع المجتمع مرة أخرى.
Ø المبحث
الثاني : علاقة علم
الأجرام بالعلوم الجنائية الأخرى
هناك ارتباط واضح وعلاقة
وثيقة بين فروع العلم الجنائي المختلفة، فهي جميعاً تدور حول فكرة الجريمة وتهتم
بدراستها إما بمعرفة العوامل التي تؤدي إليها أو لوضع العقوبات المقررة لها أو
الإجراءات التي تؤدي إلى تقرير سلطة الدولة في العقاب أو لتنفيذ ما يتم توقيعه على
المجرم من عقوبات. وسوف نعرض فيما يلي لأوجه الصلة بين علم الإجرام وبين أهم فروع
العلم الجنائي للوقوف على مدى التأثير المتبادل بين تلك العلوم من ناحية وبين علم
الإجرام من ناحية أخرى باعتباره محل دراستنا.
o المطلب الأول : علم
العقاب والانثروبولوجيا الجنائية
أ-
علم العقاب :
سبق أن أوضحنا أن علم الإجرام يهتم بدراسة
الظاهرة الإجرامية لمعرفة العوامل المختلفة فردية كانت أو اجتماعية التي تؤدي إلى
ارتكاب الجريمة، وذلك للوقوف على الوسائل الملائمة لمكافحتها والحد من تأثيرها.
ويقصـد بعلم العقـاب ذلك العلم الذي يتناول
مرحلة رد الفعـل الاجتمـاعي تجاه مرتكـبي الجـريمة أي مرحلـة التنفـيذ التي تحقـق
هذه الأغراض.
ورغم استقلال كل من العلمين فيما يتعلق
بالموضوع الذي تنصب عليه أبحاث كل منهما، إلا أنهما يتفقان في سعيهما لتحقيق غاية
واحدة وهي مكافحة الجريمة.
ووسيلة علم الإجرام في ذلك هو دراسة الظاهرة
الإجرامية للتوصل إلى القانون الذي يحكمها وبالتالي السيطرة عليها قبل وقوعها، أما
علم العقاب فهو يهتم بالبحث في أفضل الوسائل لمعاملة المجرمين لتحقيق أغراض الجزاء
الجنائي في الإصلاح والتأهيل.
وتتجسد العلاقة بين علمي الإجرام والعقاب في
أن كل منهما يكمل الآخر ويعتبر وسيلة من وسائله.
فتحقيق فاعلية علم العقاب في اختيار الوسائل
الملائمة لتنفيذ العقوبة لا تتم إلا بعد معرفة الأسباب التي رفعت المجرم إلى
ارتكاب الجريمة وبعد معرفة سمات شخصية المجرم وهذا هو مجال علم الإجرام.
ومن ناحية أخرى فإن علم العقاب يمد علم
الإجرام بالكثير من النماذج البشـرية لإجـراء الأبحاث التي تفيد في التأكد من صحة
افتراضاته.
ب-
الانثروبولوجيا الجنائية :
يهتم
علم الانثربولوجيا بالجوانب الوراثية للانسان او المجرم ، اذ يخضع في هذهالحالة
لفحوص مخبرية تشريعية لمعرفة اسـباب ارتكابه لجريمة ما ، كما يهتم هذا العلم
بمعرفة التركيب العـضوي للمجرم ، و ما يعتريه من خلل و تفاعلات تكون سببا فـي
الـسلوك المنحرف . و بهذا نلاحظ ، ان ما يقدمه هذا العلم من تفـسيرات و تحليلات
لتفيد علم الاجرام في فهم السلوك الاجرامـي ، و بالتـالي و ضع خطة للعلاج ،انطلاقا
من معطيات علمية .
o المطلب الثاني :
السياسة والاجراءات الجنائية
أ-
السياسة الجنائية :
يقصد بالسياسة الجنائية مجموعة الوسائل التي
يستخدمها المشرع أو التي يجب عليه أن يستخدمها والتي من شأنها أن تؤدي إلي مكافحة
الظاهرة الإجرامية في المجتمع.
أي أن السياسة الجنائية تهتم بتحديد الأفعال
التي تقضي المصلحة الاجتماعية بالعقاب عليها وتلك التي توصي بإخراجها من دائرة
التجريم والعقـاب، وكذلك بتحديد صور الجزاء الجنائي التي تحقق أغراضه بطريقة فعالة.
ورغم اختلاف علم السياسة الجنائية عن علم
الإجرام في الموضوع الذي تهتم دراسات كل منهما بمعالجته، إلا أن أبحاث علم الإجرام
تعين السياسة الجنائية علي رسم وضبط الإطار العام لسياسة التجريم والعقاب
ب-
قانون الإجراءات الجنائية :
يشمل قانون الإجراءات الجنائية مجموعة
القواعد الإجرائية التي تسلكها الدولة منذ لحظة وقوع الجريمة وحتى لحظة صدور حكم
بات، بما يتضمنه ذلك من إجراءات تحرى وتحقيق ومحاكمة وطرق طعن وما يحيط بكل هذه
المراحل والإجراءات من ضمانات تكفل حماية الحقوق الشخصية والحريات الفردية للأشخاص
محل الملاحقة الجنائية.
وإن كان من الواضح أن مجال قانون الإجراءات
الجنائية يختلف عن موضوع علم الإجرام، إلا أن الاتجاهات الحديثة في قانون
الإجراءات الجنائية تهتم بمعرفة شخصية الجاني لتحديد ملامحها الإجرامية ومدي
خطورتها من أجل مساعدة القاضي في اختيار العقوبة أو التدبير الملائم لشخصية
الجاني، ولا شك أن السبيل إلي ذلك هو الاستعانة بالدراسات الإجرامية التي تبحث في
الظروف الشخصية والاجتماعية للمجرم.
وعلي سبيل المثال فقد ساهمت الدراسات
الإجرامية في تبني بعض الأنظمة القانونية للعديد من النظم الإجرائية الهامة والتي
تهدف إلى حسن تطبيق مبدأ التفريد العقابي، ومن ذلك تخصيص قضاء للأحداث والأخذ
بنظام قاضي التنفيذ
· . خاتمة
يحتل علم الإجرام مكانة عالية من الأهمية لما يقدمه من
فوائد وخدمات في مجالات الدراسات المتصلة بالجريمة. وتبرز هذه الفوائد واضحة في
الوصول إلى فهم للمجرم والجريمة والضحية، أو المجني عليه. كما تبرز في تسويغ
العقوبة ومعرفة ارتباطها بحالات الإجرام أو أشكاله. يضاف إلى ذلك أن علم الإجرام يقدم وقائع لازمة
إلى أجهزة القضاء والعدالة الجزائية (أو الجنائية) والعدالة العقابية والسياسة
التي تنطلق منها العدالتان. والوقائع التي يقدمها علم الإجرام ضرورية للمشرع
الجزائي، والقاضي الجزائي، وممثل النيابة العامة، ولجميع أطراف الدعوى الجزائية
(الجنائية) وفيهم المحامي. وهي
مفيدة كذلك لرجل الشرطة والأمن ومن يضطلع بتنفيذ الأحكام الجزائية المختلفة من
عقوبات وتدابير احترازية أو تدابير إصلاحي.
0 تعليقات